الحلبي
308
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفيه أنه سيأتي عن الأصل : وقتل من كفار قريش يوم أحد ثلاثة وعشرين رجلا ، وأكب حمزة عليه ليأخذ درعه . قال وحشي غلام جبير بن مطعم : إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه يهد بالدال المهملة : يهدم وبالدال المعجمة : يقطع . أي وقد عثر حمزة ، فانكشف الدرع عن بطنه فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنيته بالمثلثة : وهو موضع تحت السرة وفوق العانة . وفي لفظ : فندرته حتى خرجت من بين رجليه ، فأقبل نحوي فغلب فوقع ، فأمهلته حتى إذا مات جئته فأخذت حربتي ، ثم تنحيت إلى العسكر ، ولم يكن لي في شيء حاجة غيره . أي وفي لفظ آخر : كان حمزة يقاتل بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسيفين وهو يقول : أنا أسد اللّه ، فبينا هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على ظهره ، فانكشفت الدرع عن بطنه ، فطعنه وحشي الحبشي بحربته . ثم لما قتل أصحاب لواء المشركين واحدا بعد واحد ، ولم يقدر أحد يدنو منه ، انهزم المشركون وولوا لا يلوون على شيء ، ونساؤهم يدعون بالويل بعد فرحهم وضربهم بالدفوف وألقين الدفوف ، وقصدن الجبل كاشفات سيقانهن يرفعن ثيابهنّ ، وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم ، ففارقت الرماة محلهم الذي أمرهم صلى اللّه عليه وسلم أن لا يفارقوه ، ونهاهم أميرهم عبد اللّه بن جبير ، فقالوا له : انهزم المشركون فما مقامنا هاهنا ؟ وانطلقوا ينتهبون . وثبت عبد اللّه بن جبير مكانه وثبت معه دون العشرة وقال : لا أجاوز أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فنظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل من الرماة وقلة من به منهم ، فكرّ بالخيل ومعه عكرمة بن أبي جهل رضي اللّه تعالى عنهما فإنهما أسلما بعد ذلك ، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم مع أميرهم عبد اللّه بن جبير أي ومثلوا به . ومن كثرة طعنه بالرماح خرجت حشوته وأحاطوا بالمسلمين . فبينما المسلمون قد شغلوا بالنهب والأسر ، إذ دخلت خيول المشركين تنادي فرسانها بشعارها : يا للعزى يا لهبل ، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون . وتفرقت المسلمون في كل وجه وتركوا ما انتهبوا ، وخلوا من أسروا ، وانتقضت صفوف المسلمين ، واختلط المسلمون وصار يضرب بعضهم بعضا من غير شعار : أي من غير أن يأتوا بما كانوا ينادون به في الحرب يتعارفون به في ظلمة الليل ، وعند الاختلاط وهو : أمت أمت مما أصابهم من الدهش والحيرة ، ولم يزل لواء المشركين ملقى حتى أخذته عمرة بنت علقمة ورفعته لهم ، فلاثوا ، أي بالمثلثة : استداروا به واجتمعوا عنده ، ونادى ابن قمئة بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة أن محمدا قد قتل . وقيل المنادي بذلك إبليس : أي متمثلا بصورة جعال أو جعيل بن سراقة ، وكان رجلا صالحا ممن أسلم قديما ، وكان من أهل الصفة . قيل وهو الذي غير النبي صلى اللّه عليه وسلم اسمه يوم الخندق وسماه عمرا كما سيأتي ،